فخر الدين الرازي

101

الأربعين في أصول الدين

المسألة الثالثة في اثبات العلم بالصانع وقبل الخوض في المقصود ، لا بد من تقديم مقدمات : المقدمة الأولى : في الفرق بين الامكان والحدوث : الامكان عبارة عن كون الشيء في نفسه ، بحيث لا يمتنع وجوده ولا عدمه ، امتناعا واجبا ذاتيا . والحدوث : عبارة عن كون الوجود مسبوقا بالعدم والفرق بين هذين الأمرين ظاهر . المقدمة الثانية : زعم كثير من مشايخ علم الأصول أن علة الحاجة إلى المؤثر ، هي الحدوث . ومنهم من زعم : أن علة الحاجة هي مجموع الامكان والحدوث . فيكون الحدوث على هذا القول شطر العلة . ومنهم من زعم : أن الحاجة هي الامكان بشرط الحدوث . فيكون الحدوث على هذا القول شرط العلة . وعندنا : أن الحدوث غير معتبر في تحقق الحاجة . لا بأن يكون تمام العلة ، ولا بأن يكون شطر العلة ، ولا بأن يكون شرط العلة . والدليل عليه : أن الحدوث عبارة عن كون الشيء « 1 » مسبوقا بالعدم . ومسبوقية الوجود بالعدم صفة للوجود ، الّذي هو متأخر عن تأثير القادر فيه . والّذي هو متأخر عن احتياجه إلى القادر ، الّذي هو متأخر عن علة تلك الحاجة ، وعن جزء تلك العلة ، وعن شرط تلك العلة . فلو جعلنا الحدوث علة للحاجة ، أو جزءا من هذه العلة ، أو شرطا لهذه العلة ، لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب . وهو محال .

--> ( 1 ) الوجود : ب .